النبي إسحاق ويعقوب

بسم الله الرحمن الرحيم

من وحي النبوة

قصة النبي إسحاق

والنبي يعقوب

نسل إسحاق

وهذه قصة النبي أسحق حين تزوج وهو في سن الأربعين من رفقة أخت لابان وبنت بَتوئيل الذين كانوا يسكنون في آرام أرض ما بين النهرين. لكن رفقة عاشت عشرين سنة مع النبي إسحاق دون أن تنجب له أولاد، فتضرّع النبي إسحَق إلى الله من أجل زوجته العقيم، واستجاب الله للنبي إسحاق. وحملت رفقة في توأمين، وتزاحم في بطنها الولدان، فقالت: «يا الله، لماذا يحدث لي كل ذلك؟» فقال لها الله: «يا رفقة، في بطنكِ ولدان، ومن كل واحد منهما سيخرج شعب، الصغير أقوى من الكبير، والكبير يخضع للصغير».

ولما جاءت ساعة ولادة رفقة، خرج الولد الأوّل وكل جسمِهِ مُغَطى بشعر كثيف أحمر، فسمّوه عيسو (ومعناه الأحمر). وبعدها خرج الولد الثاني وهو مُتعلق في عرقوب قدم أخوه، فسمَّوه يعقوب "ومعناه المُتعقب". وكان النبي إسحَق قد بلغ سن الستِّين حين أنجبت له رِفقة التوأمين.

وكبُرَ الولدان، وأصبح عيسو صيَّادًا ماهرًا يميل لحياة البرية، لكن يعقوب كان راعي غنم يميل للحياة الهادئة. وكان النبي إسحاق يُفَضِّلُ عيسو لأنه كان يحب أن يأكل من صيد البرية، أما رفقة فكانت تُفَضِّلُ يعقوب.

عيسو يستهين بحق الأبن البكر

وفي يوم من الأيام، حين كان يعقوب يطبخ حساء العدس، عاد عيسو من الصيد في البرية جَائِعًا. فقال لأخيه: «يا يعقوب، أنا أموت من الجوع فأطعمني من هذا الحساء الأحمر». لهذا لُقب عيسو «أَدُومَ»، ومعناه أحمر. فقال يعقوب: «يا عيسو، إن تنازلت لي عن حق الأبن البكر، اعطيتك تأكل». فقال عيسو: الجوع يقتلني، وحق الأبن البكر الآن بماذا ينفعني؟» ‏-فقال له يعقوب: «لن أعطيك شيئًا إلا بعد أن تحلف لي أولاً». فاستهان عيسو بحق الأبن البكر وأقسم ليعقوب وتنازل له عن حق البكورية . فأعطى يَعقوب لأخيه عيسو خبزاً وحساء العدس.، فَأكل عيسو وشرب ثُمّ قام ومَضى في سبيلِه

النبي إسحاق في مدينة جرار

حين سكن النبي إسحاق في منطقة بئر السبع في أرض كنعان، حدثت مجاعة مثل التي حدثت في زمن النبي إبراهيم. وحين فكر النبي إسحاق في أن يرحل إلى أرض مصر، أوحَى له الله وقال: «يا إسحاق، لآ ترحل إلى أرض مصر، لكن أسكن في الأرض التي أقول لك عليها. أقم في الأرض مغتربًا فترة، وأنا أكون معك وأبارك فيك وفي نسلك، وأعطيكم كل هذه الأرض وأوفي بالعهد الذي عاهدت عليه أبيك إبراهيم. كل هذه الأرض أعطيها لكم، وأُكثِّر نسلك فيكونوا كعدد نجوم السماء، وبذريتك تتبارك أمم الأرض أجمعين. لأن أبيك إبراهيمَ أطاعَني وحفظَ وصيتي وأقام فرائضي وشرعي». فلم يذهب النبي إسحاق إلى مصر كما أمره الله، وسكن فترة طويلة في منطقة جَرار التي على الساحل جنوب ارض كنعان.

وكانت رفقة زوجة النبي إسحاق فاتنة الجمال، فخاف النبي إسحاق أن يقتله أحد من أهل جرار ليأخذها، فكان يقول أنها أخته لكل مَن يسأله عنها. وبعد أن طالت إقامة النبي إسحاق في جَرَار، حدث في يوم أن نظر أبيمالِك ملك جرار من شُرفة بيته، فرأىَ النبي إسحاق يداعب زوجته رفقة. فاستدعَى أبيمالِك النبي إسحاق وقال له: «يا إسحاق، هي زوجتك أذن! فلما أدعيت إنها أختك؟» فقال النبي إسحاق: «يا أبيمالك، ظننت أن أحدهم قد يقتلني ليأخذها» فقال أبيمالِك: «ما هذا الذي فعلته بنا؟ كان من الممكن أن يأخذها أحد من شعبي ويعاشرها، فيكون ذنبًا عظيمًا علينا كلنا» فأصدر أبيمالِك أمرًا لكل الشعب قال فيه: «أي شخص يتعرّض لهذا الرجل أو لزوجته بالأذىَ، يُعدم فورًا».

وبعد فترة زرع النبي إسحاق في أرض جرار فبارك له الله، وحصد مئة ضعف في السنة نفسها. فزادت ثروتَهُ وأصبح غنيًا جدًا، وعَلَت بين الناسِ مكانتَهُ. وأصبح يملك قطعان غنم وأبقار والكثير من الخدم، حتَى حقد عليه أهل جرار الكنعانين. ‏فقال أبيمالِك للنبي إسحَاق: «ارحل يا إسحاق عن أرضنا لأنك أصبحت أقوى كثيرًا منا». فرحل النبي إسحاق من مدينتهم ونزل إلى الوادي وسكن هناك. وكان أهل جرار قد ردموا بالتراب كل الآبار التي كان حفرها خدم النبي إبراهيم. فأعاد النبي إسحاق حفر الآبار، وسماها بنفس الأسماء التي سماها بها النبي إبراهيم.

وحين كان خدم النبي إسحاق يحفرون في الوادي، عثروا على نبع ماء عذب. لكن رُعاة جَرَار الكنعانين تنازعوا مع خدم النبي إسحاق وقالوا لهم أن هذا الماء من حقهِم. فسمىَ النبي إسحاق البئر «بئر النزاع». فحفر خدم النبي إسحاق بئرًا أخرَى فنازعه عليها أيضًا رُعاة جَرَار الكنعانين، فسماها النبي إسحاق «بئر الكراهية». فرَحل النبي إسحاق لمنطقة أخرى وحفر بئر آخرىَ فلم ينازعوه عليها، فسماها «بئر سَعَة»، لأنه قال: «قد وسع الله علينا وجعلنا مُثمرين». وبعد فترة رحل النبي إسحاق من هناك إلى منطقة بئر السبع. وفي ليلة وصوله إلى بئر السبع، ظهر الله للنبي إسحاق وقال: «يا إسحاق، لا تخاف. أنا هو ربّ أبيك إبراهيم. وأنا معك أباركك وأكثر نسلك وأوفي بعهدي مع أبيك إبراهيم». فبنَى النبي إسحاق لله هُنَاكَ مَكاناً لتقديم الأضحية وسبح لله الحي القيوم. ثم نصب خيامه وحفر خدمه بئر ماء.

المعاهدة بين النبي إسحاق وأبيمالك

وبعد فترة من إقامة النبي إسحاق في بئر السبع، جاء إليه أَبِيمَالِك ملك مدينة جَرَار ومعه أَحُزَّاتُ مستشاره الخاص وفيكولُ قائدُ جيشه. فقال لهم النبي إسحَق: «ما الذي جاء بكم عندي الآن يا كبراء جرار؟ ألم تكرهوني وَمنْ أرضكُمْ طردتونِي؟» فقالوا: «يا إسحاق، الآن نعلم بالحق أن الله معك، فجئنا لنعقد إتفاقاً معك ونقيم معاهدة سلام بيننا وبينك. فعاهدنا أنك لا تؤذينا، كما لم نؤذيك حين كنت تعيش بيننا. وحين صرفناك خرجت بسلام من عندنا، وها أنت الآن في بركة الرب منعماً». فوافق النبي إسحاق على الأتفاق، وأقام لهم وليمةً، فأكلوا وشربوا واحتفلوا بالمعاهدة. وفي صباح اليوم التالي أقسموا يمين العهد فيما بينهم، ثم رحلوا بسلام راجعين في طريقهم.

وفي نفس اليوم جاء خدم النبي إسحاق إليه قائلين: «يا سيدنا، عثرنا على الماء»، وبشروه بأنهم وجدوا الماء في البقعة التي كانوا على حفرها قائمين. فسمّاها النبي إسحاق «سبع» ومعناها "قَسَم" ومن بعدها وهي تُعرف ببئر السبع. وحين كان عيسو أبن النبي إسحاق قد بلغ سن الأربعين أتخذ زوجتين، وهما بَسمة بِنْتَ إِيلُونَ، يهوديت بنت بيري من بنات الحثِّيّين، فكانتا سببًا في تكدير حياة النبي إسحاق وزوجته رِفقة.

النبي إسحاق يبارك أبنه يعقوب بدلاً من عيسو

في يوم من الأيام، وحين شاخ النبي إسحاق وعجزَ بصرَهُ، نادى على عيسو ابنه البكر وقال له: «يَا ولدي». فَقَالَ لَهُ عيسو: «نعم يا أبي». فقال له النبي إسحاق: «يا ولديَّ قد تقدم بي العمر ولا أعلم متى يتوفاني ربي. فالآن جهز للصيد أسلحتك، وخذ سهامك وقوسك، واخرجْ إلى البرّيّة لتصيد لي بيدك، ثم جهز لي طعاماً مما أحب لأكل ، فأدعو لك بالبركة قبل أن يتوفاني ربي».

وسمعت رِفْقَةُ زوجة النبي إسحاق ما دار بين عيسو والنبي إسحاق. فلمّا خرج عيسو للصيد في البرّيّة، قالت رِفْقَة لابنِها يَعْقُوب: « يا ولدي قد سَمعْت أَباكَ يُكلم عيسو وقال له: اخرجْ للبرّيّة لتصيَّد لي بيدك، ثم جهز لي طعامًا مما أحب لأكل منه وأدعو لك بالبركة قبل أن يتوفاني ربي. فالآن يا ولدي أصغي لقولي وأطع أمري. اذهب إلى قطيع الغنم وانتقي جَدْيَيْنِ، وأنا سأجهز لأبيك الطعام الذي يحبه. ثم تُقَدْم أنت إليه الطعام ليأكل، فيأكل ويدعو لك أنت بالبركة قبل أن ينتهي أجله».

فرد يَعْقُوب على أمِّهِ وقال لها: «يا أمي إنما أخي عيسو أَشْعَر وأنا أَجْرَد ليس على جسدي شعراً. وربما لمسني أبي فيجدَني أحتال عليه، وبدلاً من البركة أجلبُ على نفسي لعنة». فقالت له أمه رِفْقَةَ: «إن كانت لعنة فلتنزل عليَّ انا. هيا أذهب واحضر لي الجدييْن كما أَمُرتك فوراً». فذهب يعقوب وأنتقى جديين وأحضرهما لأمِه، فجهزت رفقة الطعامَ الشهيَّ الذي يحبهُ أبوه. ثم أخذت رِفْقَةُ من أفضل ملابس أبنها البكر عيسو التي في خيمتِها، وعلى أبنها الصغير يعقوب وضعتها، وغطت ذراعيه وعنقِه بفروةٍ من شعرِ الغنم. ثم أعطت ليعقوب الخبز والأطعمة التي جهزتها. فدخل يعقوب على أبيه وناداه: «يَا أَبِي»، فأجابه النبي إسحاق: «ها أنا، أي ابن من أبنائي تكون؟» فقال له يعقوب: «أنا عيسو ابنك البكر، وقد فعلت كما أمرتني، قم وأجلس لتأكُل من صيد يدي ثم تدعو لي وتباركني». فقال له النبي إسحاق: «يا بُنيَّ كيف لك أن تنال صيداً بهذه السرعة ؟»، فأجاب يعقوب: «اكرمني ربك ويَسَر لي صيدي». فقال له النبي إسحاق: «أقترب يا ولدي ودعني ألمسك، لأتحقق إن كنت أنت أبني عيسو فعلاً». فأقترب يعقوب من أبيه، فتلمسه النبي إسحاق ثم قال: «الصَّوتُ صَوت يَعْقُوبَ، أَمَّا اليَدانِ فَهُما يَدا عيسو حتماً». فلم يتعرف عليه النبي إسحاق لأن يداه كانت مغطاة بالشعر كَيَدَيْ عيسو، وظن أنه أبنه البكر فتهيأ ليدعو له بالبركة. ثم سأله قائلاً: «هل أنت ابني عيسو حقاً؟». فأجابه يعقوب: «أَنَا هُوَ فعلاً». فقال له النبي إسحاق: «قدم لي أذن يا ولدي من صيد يدك فأكل وأدعو لك بالبركة». فقرب إليه يعقوب الطعام فأكل النبي إسحاق وشرب. ثم قال له النبي إسحاق: «اقترب مني يا ولدي لأقبلك». فَاقترَب منهُ ليُقَبله، فتشمم النبي إسحاق رائحة رداء عيسو الذي ارتداه يعقوب فدعا له بالبركة وقال:

«هذه هي رائحة ولدي

كرائحة بستانٍ باركه ربي

لينُزّل عليك ربي من ندىَ السماء فيضاً

ويجعل لك من طرح الأرض خيراً

ويكفي قوتك بالوفرة عنباً وقمحاً.

ولتصير لك الناس خَدَماً

وتنحني لك الأمم خاضعين

وعلى أخوتك تكون سيداً

ويتواضع لك أبناء أمك راكعين

مَن دعى لك بالبركة كان مباركاً،

ومَن لعنك يكون من الملعونين!»

وبمجرد ما أنتهى النبي إسحاق من دعائِه، وخروج يعقوب من خيمتِة، إلا وكان عيسو قد عاد من الصيد. فجهز عيسو الطعام الذي يحبه أبوه، ودخل على أبيه وقال له: «تفضل أبي وقُم لـتأكل من صيد يدي، ثم تدعو لي وتباركني». فسأله النبي إسحاق: «ومَن تكون أنت؟». فأجابه عيسو: «أنا عيسو أبنك البكر». فارتعد النبي إسحاق وقال وهو يرتجف: «مَن كان أذن الذي جاءني بالطعام الذي طلبته قبل منك! لقد أكلت من كل ما قدم لي، فدعوت له بالبركة وقد نال بركتي حقاً!» فلمّا سمع عيسو كلام أبيه صرخ صرخةٍ تقطر مراً ثم قال: «وأنا يا أبي! أدعو لي بالبركة أنا أيضاً!». لكن النبي إسحاق رد عليه قائلاً: «يا ولدي أخوك إحتال وسرق بركتك». فقال عيسو: «أليس أسمه يعقوب؟ هو أسمٌ علىَ مُسمَى! فقد إحتال وغشني مرتين. أولاً أبتزني في حق بكوريتي، وها هو الآنوقد سلبني بركتي أيضاً. فهل يا أبي من بركة أخرى لا زلت تحتفظ بها من أجلي؟» فقال له النبي إسحاق: «يا أبني، قد جعلته سيداً عليك وعلى كل إخوته ، وكل أخوتَهُ سيكونون في خدمته. ودعوت له بالوفرة من كل ما يحتاج. فما الذي تبقىَ أذن لأفعله من أجلك؟». فقال عيسو لأبيه: «وهل عندك بركةً واحدةً فقط يا أبي؟ باركني يا أبي أنا أيضًا!» ثم بكَى عيسو بكاءاً مُراً. فقال أبوه النبي إسحاق:

«الأرض حيث تسكن لا تطرح لك خيراً

جدباء لا ترى من ندىَ السماء قطراً

تعيش حياتك بسيفك، ولأخيك تكون عَبْداً،

لكن حين تقرر أن تتحرر، تُحطم قيده وتصير حراً.»

يعقوب يهرب من أخيه عيسو

فنقم عيسو من يعقوب بسبب بركة أبيه التي كانت له واحتال يعقوب وأخذها لنفسه. ففكر عيسو في قلبه: «بعد موت أبي، سأقتل يعقوب». وحين علمت رفقة بما عزم عليه ابنها الكبير عيسو، أرسلت وأستدعت أبنها الصغير يعقوب ثم قالت له: «يا أبني، أخوك عيسو يخطط لقتلك. لذا فاصغي يا ولدي الآن وأفعل كما أقول لك، هيا أرحل من هنا وأذهب إلى أخي لابان في حاران، في أرض ما بين النهرين. ‏وتبقىَ عنده فترة، إلى أن يهدأ غضب أخيك من ناحيتك. وينسى ما فعلته معه، حينها سأرسل إليك لترجع إلى هنا. هيا، فلما أفقد أبنائي الأثنان في يوم واحد؟»

ثم حدث بعدها أن قالت رِفْقَةُ ِللنبي إسحاق: «بنات الحثيين زوجتا أبنك عيسو جعلتا حياتي بؤسًا، فإن اتخذ يعقوب زوجة من بنات هذه الأرض الوثنيين أيضًا، فلا معنى لحياتي وحتمًا سأموت كمدًا».

يعقوب عند خاله في حاران

وبعدما سمع النبي إسحاق ما قالته زوجتَه رفقة، نادى علَى يعقوب ودعا له بالبركة، ثم قال له: «يا ولدي لا تتزوج من بنات كنعان. بل قُم وأذهب إلى بيت جدك بَتُوئِيلَ في سهل آرام شمال بلاد ما بين النهرين، وتتزوج واحدةً من بناتِ خالك لابان. وإلهي القدير يبارك فيك، وأمم كثيرة يجعلها منك ويُكَثر نسلك ويُنميك. وَيُعْطِيكَ أَنْتَ وَنَسْلَكَ الْبَرَكَةَ الَّتِي أُعْطِاها لِإِبْرَاهِيمَ. وترث الأرض التي أنت فيها اليوم مغترباً، كما وعد الله إبراهيم».

وبَعث النبي إسحاق بيعقوب إلى خالهِ الأرامي لابان، فأنطلق يعقوب في طريقه متوجهاً إلى سهلِ آرام في شمال أرض ما بين النهرين. ‏وحين رأىَ عيسو أن أباه قد دعا بالبركة ليعقوب وبعثه إلى حاران، وأوصاه بأن يتزوج من بيتِ خاله لابان، وأن أباه قد منع يعقوب من الزواج من بنات كنعان. ذهب عيسو إلى حيث يقيم عمه إسماعيل، وتزوج على زوجتيه واحدة من بنات عمِه إسماعيل أسمها مَحْلَةَ، وهي أُخْتَ نَبَايُوتَ الأبن البكر لعمهِ إسماعيل.

‏وحين كان يعقوب في طريقه من بئر السبع متوجهاً إلى حاران، أذنت الشمس بالمغيب، وهو في موضعٍ من مدينةِ القدس قريب، فقرر أن يبيت فيه ليلته، وأخذ حجراً ووضعه تحت رأسهِ ونام. وحين نام، رأىَ في المنام سُلَّمٌ يصلَ الأرض بالسماء، وملائكة الله تنزل وتعرج عليه للسماء. ورأىَ يعقوب وحي الحي القيوم واقفاً في الأعلى وقال: «أنا الحي القيوم رب أبائك إسحاق وإبراهيم، الأرض التي أنت راقدٌ عليها أهبها لك ويرثُها نسلكَ من بعدِك. واُكَثر نسلك كرملِ الأرض، فينتشروا في الأرض شمالاً وشرقاً وجنوباً وغرباً ، وبك وبذريتك تتبارك أمم الأرض أجمعين. أينما توجهت أحفظك وأحميك، وها أنا معك موجود، وإلى أرض كنعان أجعلك تعود. ولن أتركك حتى أتمم لك العهد الموعود».

فأستيقظ من نومه يعقوب وقال: «لم أكن أعلم إن الله حقاً في هذا المكان موجود!». فتملكته الرهبة وقال: «هذا موضع شريف له جلالَة! فحقاً ما هنا إلا بيتٌ لله وبوابة للسماءِ».

وَبَكَّرَ يَعْقُوبُ في ٱلصَّباح وأخذ ٱلحَجَر ٱلذي كان تحت رأسه ونصبه للذكرى مكانه، وبالزيت سكب عليه ومسحه، ودعا يعقوب المكان "بيت إيل" أي "بيت الله" بعد أن كان أسمه "لوز".

ونذرَ يعقوبُ لله وقال في نذرِه: «لو أن الله سيكون معي، يحفظني في طريق رحلتي، ويرزقني بطعامي ويكفيني في كسوتي، وإن كان إلى بيت أبي مرة أخرى سالماً سيُعّيدَني، فسيكون الحي القيوم بالحقِ إلهي! وسأجعل من ذلك الحجر الذي نصبته ذكرى ليكونُ بيتَ لعبادة الله، والعُشر من كلّ ما يرزقني به الله سأقدمهُ زكاةَ.

زواج النبي يعقوب

ثم غادرَ النبي يعقوب المكان الذي سماه بيت إيل، وَتَابَعَ رِحْلَتَهُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى منطقة حاران. فرأى في الوادي بئرُ ماءٍ عليها حجرٌ كبيرٌ بالقربِ من حاران، ورأى الرعاة مجتمعين حول البئر ومعهم من الغنمِ ثلاثة قطعان، ينتظرون قدوم بقية الرعاة حتى يزيحوا الحجر من على البئر ويسقوا الأغنام. فقد كان من عادة الرعاة أن يجمعوا هناك المواشي والأغنام، ثم يتعاونوا جميعاً ليزيحوا الغطاء من على البئر ليسقوا قطعان الأغنام. ثم يتعاونوا مرة أخرى ليعيدوا الحجر على فمِ البئرِ بعد ما ينتهوا من سقاية الأغنام فأقترب منهم النبي يعقوب وسألهم: «من أين أنتم يا أخوان؟» فَقالوا: «نحن مِن حَارَانَ». فقال لهم النبي يعقوب: «فهل تعرفون إذن لَابَانَ حفيد نَاحُورَ؟» فَقالوا: «نعم، نعرف لابان». فسألهم النبي يعقوب: «هل هو بخير وسلام؟» فَقالوا: «نعم، هو بخير، وها هي ابنته رَاحِيلُ قادمة ومعها الأغنام». فقال لهم: «ما زال النهار طويل أمامَكم، ولم يحن بعد وقت إجتماع أغنامَكم، فاسقوا الآن أغنامكم وأرجعوا إلى المراعي». فَقَالُوا للنبي يعقوب: «علينا أن ننتظر حتى تجتمع بقية الرعاة بأغنامِهم، فنتعاون لنزيح الغطاء عن البئر لنسقي الأغنام».

وبينما كان النبي يعقوب يتحدث مع الرعاة، جائت رَاحِيلُ أبنة خالَهُ ومعها غنم أبيها، ‏فلمّا رآها النبي يعقوب مُقبلة مع غنم خاله لابان، تشجع النبي يعقوب وقام وأزاح ٱلحَجَر الكبير وحده من على ٱلبئرِ وسَقَى لأبنة خالَهُ الأغنام. ‏ثم عَرَفَها بأنه ابن عمتها رِفقة، وقَبَلَ جبينها وبكىَ من فرحتِه بلقائِها، فأسرعت رَاحِيلَ لتخبر أباها لابان. فلما عرف لابان أن ابن أخته يعقوب وصل إلى حاران، أسرع ليستقبله وتعانقا ثم رافقه إلى بيته، وحكَى النبي يعقوب لخاله عَمَّا حدث معه أثناء رحلته إلى حاران. فقال له خاله لابان: «أنت من لحمي ودمي، فأطمئن أنت بين أهلِك هنا في أمان». فَأَقام النبي يعقوب عند خاله لابان وعملَ معهِ في تربية الأغنام شَهرًا مِن ٱلزمان.

زواج النبي يعقوب

وبعد الشهر الذي قضاه النبي يعقوب في مساعدةِ خاله، قال لَابَان للنبي يَعقوب: «حتى وإن كنا أهل، فلا يجوز أن تخدمني بالمجان. أخبرني ما هي الأجرة التي ترضيك.». وكان عند خال النبي يعقوب ابنتان، اسم الكبرى لَيئة والبنت الصّغرى كان أسمها رَاحِيل. وكانت عيون ليئة ضعيفة ، بينما رَاحِيل كانت جميلة طلعتها بهية. وكانت محبة راحيل قد وقعت في قلب يعقوب، فقال لخالهِ لابان: «يا خال، زوجني أبنتك الصغرى راحيل على أن أخدمك سبعَ سنين». فقال له خاله لابان: «فلتبقىَ معنا أذن، فأنت اَولَى من الغريب بالزواج منها». ومرت سبع سنواتِ الخدمة عند لابان هينة على النبي يعقوب من فرطِ محبتهِ لراحيل.

وبعد مرور الأجل المتفق عليه، قال يعقوب لخاله لابان: «يا خال، ها قد إنقضى أجل خدمتي الذي أتفقنا عليه، فالآن أعطني أبنتك راحيل لأتزوجها كما وعدتني». فدعا لابان كُلّ الجيران وأقام وليمةً إحتفالاً بعقد القِرَان، لكن عند حلول المساء أخذ لابان أبنته الكبرى ليئة وفي الظلام أدخلها على يعقوب. وأعطى لابان جاريته زِلْفة لابنته لَيئة لتكون في خدمتها. وحين طلع النهار أكتشف النبي يعقوب أن ليئة هي مَن دخل عليها، فذهب النبي يعقوب وهو غضبان وقال لخاله لابان: «يا خال، ما هذا الذي فعلت بي؟ ألم نتفق على أن أخدمك سبعَ سنين على أن تزوجني من أبنتك الصغرى راحيل؟ فلماذا خدعتني وأدخلت علَّىَ أختها؟». فأجابه لابان: «زواج البنت الصُغرى قبل الكبرى ليس من عاداتِ بلادِنا. تمم أسبوع عُرسِك على ليئة، ثم أزوجك من راحيل بعدها، لكن على أن تخدمني سبع سنين أخرى». فقَبلَ النبي يعقوب، وقضى الأسبوع مع ليئة ثم تزوج راحيل هي الآخرىَ بعدها. وأعطى لابان جاريته بِلْهة لابنته الصُغرىَ راحيل لتكون في خدمتِها فتزوج النبي يعقوب راحيل أيضًا وأحبها أكثر من ليئة أختها، وخدم عند خاله سبع سنينَ أخرى من أجلِها.

أبناء النبي يعقوب

وحين رأىَ الله أن ليئة ليست محبوبة من زوجها، أنعم عليها وبالأولاد رزقها، أما راحيل فكانت عاقر ولم يكن ليعقوب أولاد منها. وحين حملت ليئة وأنجبت أبنها البكر سمّتْه رَأوبين (ومعنى الأسم: انظروا ابني)، لأنّها قالت: «قد رحم الله ذلي، والآن سَيُحِبُّنِي زوجي». بعدها حملت ليئة مرة أخرى وأنجبت ولداً وسمّتْه شِمْعُونَ (ومعنى الأسم: سمعان)، لأنها قالت: «قد سمع الله أني مذمومة، فأرد بهذا الولد أن يعوضني». ثم حملت وأنجبت ثالث أبنائها وسمّتْه لاَوِي، لأنها قالت: «ها أنا وقد أنجبت له ثلاثة أولاد، فلعل الآن قلب زوجي يرضي عني ويقبَلني». ثم حملت وأنجبت رابع أبنائها وسمّتْه يَهُوذَا، لأنها قالت: «هذه المرة أشكر الله وأسبح له بحمدي». بعدها أنقطعت ليئة عن الإنجاب إلى حين.

أولاد النبي يعقوب

وحين يأست رَاحِيلُ من حملِها، أخذتها الغيرة وحقدت على أختِها، وقالت للنبي يعقوب: «أجعل لي أولاد وإلا أفضل لنفسي موتِها!». فغضب النبي يعقوب من كلامِها وقال لها: «الأمر بيد الله. فلست أنا مَن منعك الحمل حتى أعطيكِ الولد!» فقالت له رَاحِيلَ: «إذن، ها هي جاريتي بِلْهَةُ خذها وادخل بها، فتلِدَ لي ويكون لي أولاد أنا أيضًا». وهكذا قدمت رَاحِيلُ للنبي يعقوب بِلْهَةُ جاريتها، فاخذها النبي يعقوب ودخل بها. فحملت بِلْهَةُ جارية راحيل وكان للنبي يعقوب ولدًا منها. فسمته رَاحِيلُ "دان" (ومعنى الأسم: حَكَم) لأنها قالت: «سمع الله صوتي وقضىَ بإنصافي». ثم حملت بِلْهَةُ مرة أخرى وكان للنبي يعقوب ابْنًا ثَانِيًا منها. فسمته رَاحِيلُ "نَفْتَالِي" (ومعنى الأسم: مُصارع أو مجاهد) لأنها قالت: «كان بيني وبين أُختي صراعاً عظيمًا، ولكنّني غلبتها».

وكانت زوجة النبي يعقوب لَيْئَةُ بنت لابان الكُبرىَ قد أنقطع حملها. فزوجَت هي الأخرى النبي يعقوب من جاريتِها زِلْفَةَ. فحملت زِلْفَةَ وأنجبت للنبي يعقوب ابْنًا. فسمته لَيْئَةَ "جاد" (ومعنى الأسم: بَخيت) لأنها قالت: «كم هو عظيم حظي!» ثم حملت زِلْفَةَ مرة أخرى وأنجبت للنبي يعقوب ابْنًا ثَانِيًا. فسمته لَيْئَةَ "أَشِيرَ" (ومعنى الأسم: سعد) لأنها قالت: «يالسعادتي، كل النساء ستقول عني مسعودة».

وحين جاء موسم حصاد القمح، وبينما رَأُوبَيْنُ يعمل في الحقل وجد بعضً من عُشبة اللُّفّاح، فأخذ إلى أمهِ لَيْئَةَ بعض منها. فَقَالَتْ رَاحِيلُ لِأختِها لَيْئَةَ: «أعطيني من عُشبة اللُّفّاح التي جاء أبنك بها». فَقَالَتْ لَيْئَة لأختِها رَاحِيل: «ألم يكفيكِ أنكِ أخذتي زوجي مني؟ والآن تريدين أن تأخذي أيضاً لُفَّاحَ ٱبْنِي؟» فَقَالَتْ رَاحِيلُ لها: «أخذ لُفَّاحَ ٱبْنِك، على أن يبيت يعقوب عندك الليلة بدلاً مني!». ولما رجع النبي يعقوب من الحقل وقت الغروب، قابلته لَيئة وقالت: «قايضتني أختي على أنك تبيت الليلة عندي مقابل أن تأخذ هي لُفَّاحَ ٱبْنِي». فقضى يعقوب الليلة عندها. وشاء الله فحملت لَيْئَة وكان للنبي يعقوب ولداً خامساً منها. فسمته لَيْئَةَ "يَسَّاكَرَ" (ومعنى الأسم: ثواب) لأنها قالت: «هذه مكافئتي جزاء أني أعطيت جاريتي لزوجي». ثم حملت لَيْئَة وكان للنبي يعقوب ولداً سادساً منها. فسمته لَيْئَةَ "زَبُولُونَ" (ومعنى الأسم: عطية) لأنها قالت: «ستة من الأولاد هدية غالية رزقني الله بها، فالآن يحبني زوجي ويُكرمني». ثمّ أنجبت لَيْئَةَ بنتًا وسمتها "دِينَةَ".

وطالت رحمة الله راحيل واستجاب لها فانفتح رَحِمَهَا، فحملت رَاحِيل وأنجبت للنبي يعقوب ولداً فقالت: «نَزَعَ ٱللهُ عَار العقم عني». وسمّتْه "يوسُف" (ومعنى الأسم: "زيادة") لأنها قالت: «لعل الله يزيدَني ولدًا آخر».

لابان يخدع يعقوب

وبعد أن أنجبت رَاحِيلُ أبنها يُوسُفَ بفترة، حدث أَنَّ قال النبي يَعْقُوبَ لِلَابَانَ: «يا خال، اسمح لي بالرحيل والعودة إلى أرض بلادي، واسمح لي أيضاً بأن أخذ نسائي وأولادي، ودعنا نرحل إلى أرض بلادي، فقد خدمتك من أجلهم وأنت تعرف قَدْر خدماتي». لكن لابان قَال لَهُ: «لعلك ترضىَ يا يعقوب فتُكرمني وتبقى عندي. فقد علمت أن الله بسببك باركني. حدد لي الأجر الذي يرضيك فأدفعه إليك وتقيم عندي». فأجابه يعقوب: أنت تعلم مدى إخلاصي لك في خدمتي، وكَم تكاثرت ماشيتك تحت رعايتي، فما كان قليلاً بعد مجيئي قد زاد، والنعمة التي حلت عليك كانت من الله بسببي. والآن متى سأعمل من أجل أولادي وأسرتي؟». ‏فقال له لابان: «قل لي ما الذي تريد لتبقىَ عندي؟» فقال النبي يعقوب: «ليس عليك أن تدفع أجرتي، لكن إن وافقتني على أن اَمُر اليوم بين غنمِكَ كلِها واُصَنفها، فأفصلُ الأغنام صافية اللون فتكون لك، والأغنام المُبَقَعة تكون أجرة خدمتي. حينها ابقى في خدمتك وتبقى ماشيتك تحت رعايتي. كما أنك بذلك تتمكن من الثقة في أمانتي، فإن رأيت يوماً عندي غنماً صافية اللون غير التي جعلتها أجرتي، فهي مسروقة وعلىَ عُهدَتي». فأجابه لابان: «أتفقنا، لك ما طلبت». لكن قبل أن يذهب النبي يعقوب كان لابان قد سَبَقَه إلى الغنم، وفي ذات اليوم عزل كل الغنم مُبَقعة اللون واعطاها لأولادهِ، فأخذوا الغنم المبقعة وأبتعدوا بها عن مكان النبي يعقوب مسيرة ثلاثة أيام. فلم يجد النبي يعقوب غير ما تبقى من غنم صافية اللون ليرعاها، بعد أن أخفى لابان كل الغنم المبقعة التي كانت لتكون من نصيب النبي يعقوب.

‏‏فجاءت الفكرة في الرؤيا للنبي يعقوب، فعرف أنه إن تَزاوجَت الغنم أمامَ الأغصانِ المكشوف عن بياضِ جذعها، جائت الأغنام مبقعة عند ولادتها. فأخذ أغصان من شجرة اللُبْنى وشجر الدُلَّب واللوز، وقشرها فكشف عن البياض الذي تحت قشرتها. وكلما جاءت أغنام قوية للتزاوج عند الماء، كان النبي يعقوب ينصب لها الأغصان المكشوف عن بياض جذعها لتكون حين التزاوج في مُقابلتها، فتأتي الأغنام قويةً ومبقعة اللون عند ولادتها. وكان النبي يعقوب لا يَنْصب تلك الأغصان حين تتزاوج الضعيف من الأغنام، فأصبح القوي من الأغنام يدخل في نصيب النبي يعقوب والضعيف من نصيب لابان. فزادت ثروة النبي يعقوب، وأصبح يَمْلُك خدّمٌ وَخادِماتٌ، وَجِمالٌ وَحَمِيرٌ، والكثير من العبيد والأغنام.

رحيل النبي يعقوب من حاران

وعرف النبي يعقوب ما يدور بين أبناء لابان وأنهم يقولون: «قد أستولىَ يعقوب على مال أبينا، وجمع منه ثروتِه كلهَا». كما أن النبي يعقوب وجدَ في وجِه لابان تغيير وأن معاملته معه ليست كسابقِ عهدِها. فأوحى الله للنبي يعقوب: «يا يعقوب أرجع إلى أرض أبوك وقومك ، وأنا أكون معك وأُحْسِنُ إِلَيْكَ».

وكان النبي يعقوب يرعىَ الغنم في الحقول، فأرسل إلى رَاحِيلَ وَلَيْئَةَ أن تأتيا إليه، ثم قال لهما: «اسمعا، قد وجدت في وجِه أبيكما تغيير وأنه ليس كسابق عهدِه في معاملتي، لكن إله أبائي كان معي. وأنتما تعلمان كيف كان إخلاصي لأبيكما في خدمتي، أما هو فقد غشني وعشر مرات غَيَّر أجرتي. إلا أن الله لم يسمح بَمَضَرتي، فحين قال لي أبيكم: "الغنم المُبقعة أجرتك"، كانت مشيئة الله أن تولَد الغنم القوية مُبقعة. ولما قال لي أبيكم: "الغنم المُخططة أجرتك"، كانت مشيئة الله أن تولد الغنم القوية مُخططة. وهكذا أخذها الله من أبيكم وشاء لي أمتلاكِها. فحين جاء موسم تزاوج الغنم، رأيت في المنام الذكور من الفحول المُبقعة تنكح الأناث من الأغنام. وفي الرؤيا ناداني ملاك الله: "يا يعقوب!" فأجبت: ها أنا ذا! فقال لي المَلَك: "تطلع وأنظر تلك الفحول تنكح الإناث المُبقعة من الأغنام. وأعلم أن الله مُطلع على ما فعله معك لابان وأن الله تعالى يبلغك ويقول: "أنا الذي تجلى لك في قرية بيت إيل، حيث مسحت العمود بالزيت ونذرت لي نذراً هناك. حان الوقت أن ترحل عن هذه الأرض وتعود إلى أرض مولدك. فأجابَت راحيل وليئة وقالتا: "وهل هناك شيء تبقىَ لنا لنرثَهُ من أبينا؟ فها هو يعاملنا كالأغراب وكأننا لسنا بناته، قد باعنا وأكل أيضاً ثَمَنَنَا! والآن أفعل كما أمرك الله، فكل هذه الثروة من حقّنا وحقّ أبنائنا، بعد أن أخذها الله من أبينا ووضعها في أيادينا".

فقام النبي يعقوب، وجهز الجمال، ووضع عليها زوجتيه والأطفال، وساق النبي يعقوب أمامه أغنامه ومواشية وكل ما تحصل عليه من لابان في بلاد ما بين النهرين، ورحلوا متوجهين إلى أبيه إسحاق في أرض الكنعانيين. وقبل أن يرحلوا، وبينما كان لابان يَجُز صوف غنمه في مكان يبعد عن مكان النبي يعقوب بثلاثة أيام، أستغلت رَاحِيلُ غياب أبيها، وسرقت الأصنام التي كان يتبارك بها. وهكذا رحل النبي يعقوب دون علم لابان متوجهاً إلى إسحاق أبيه في أرض الكنعانيين. فعبر النبي يعقوب نهر الفرات ومعه حريمه وبنيه وكل ما تحصل عليه متوجهًا إلى أرض جِلْعادَ الجبليَّة في شرق نهر الأردن.

لابان يطارد يعقوب

وبعد ثلاثة أيام عرف لابان أن يعقوب قد غافله ورَحَل. ‏فجمع لابان قومِه وأنطلقوا وراء النبي يعقوب، وبعد سبعة أيام لحقوا به عند منطقة جِلْعَادَ جنوب دمشق، حيث كان النبي يعقوب قد نصب خيامه هناك، فنصب لابان هو الآخر ومن معه خيامهم أيضاً ليقضوا ليلتهِم. وفي تلك الليلة حذر الله لابان في المنام وقال له: "أحذر أن تؤذي يعقوب أو تمسه بسوء!" وفي الصباح ذهب لابان وقال للنبي يعقوب: "يا يعقوب، لماذا غافلتني وسقت بناتي أمامك مثل الجواري؟ ما الذي جعلك تهرب دون أن تخبرني؟ لو كنت عرَفتَني أنك عازم على الترحال، لكنت ودعتك بوليمة وإحتفال. ولما منعتني من توديع بناتي ومن تقبيل أحفادي؟ كانت تلك حماقةً منك يا يعقوب. وأنا قادر على أَنْ أُؤْذِيَكَ، لكن إِلَهَ أَبِيكَ حذرني ليلة أمس في المنام وقال لي: "أحذر أن توذي يعقوب أو تمسه بسوء!" قد أتفهم يا يعقوب أنك رحلت حنيناً إلى بيت أبيك، لكن ما الذي دعاك لسرقة تماثيل الهتي التي أتبارك بها؟"

‏لكن النبي يعقوب لم يكن يعلم أن راحيل قبل أن ترحل قد سرقت التماثيل التي كان يتبارك بِّها أبوها. فَقال النبي يَعْقوب للابان: "يا خال، خشيت أن ترفض وتأخذ بناتك مني غصباً عني، فرحلت دون علمك. أما ثماثيل آلهتك فلا علم لي بها، فإن مع أحد منا وجدتها، فالموت له جزاء سرقتها. ها هم أقاربك بيني وبينك شهود، وإن كان لك عندي حق فهو مردود.

‏ففتش لابان وبدأ بخيمه النبي يعقوب ولم يجد شيئاً له فيها، ثم دخل خيمة لَيئة وخيمة الجاريتَين وفتش ولم يجد له أيضًا شيئاً فيها، ثم خرج وتوجه ليفتش خيمه راحيل. لكن راحيل كانت قد وضعت التماثيل في رَحْل الجَمَل وجَلسَت عَليها، فحين دخل أبوها عليها بادرته بقولها: "سامحني يا أبي إن كنت لا أستطيع الْوُقُوفَ لك، فإن عادة النساء قد جَاءَتْنِي". فبحث لابان في خيمة راحيل لكنه لم يجد تماثيل آلهته التي خبئتها راحيل وجلست عليها.

فتملك الغيظ من النبي يعقوب وعَنَّفَ خاله لابان وصاح فيه قائلاً: "ما الذي فعلت وبه إليك اسأت؟ ولماذا تطاردني وكأنني اجرمت؟ ها وقد بحثت في كل ما عندي وفتَشت، فضع أمام أقاربنا ما يخصك وعندي وجدت، وليحكموا هم بيننا فيما ادعيت! طوال عشرين سنة خدمتك فيها، لم تُسْقّط غنمك واحدة من مواليدِها، ولا يوماً حتى أكلت من لحومِها. وَلَا أَحْضَرْتُ لَكَ بقايا غنم الْوُحُوشُ مَزَّقَتْهَا، بل كُنْتُ أنا مَن يتَحمَّل خَسَارَتها، وما كان يُسرق بليلٍ أو نهارٍ منها، من يدي كنت تطلب عوضاً عنها. وكَم تحملت من حر النهار يأكل جلدي، وصقيع ليل جعل النوم يخاصم عيني. عشرين سنة عندك خدمتَها، أربعة عشر سنة منها مهر أبنتيك، وست سنوات مقابل الغنم التي أتفقنا عليها، لكنك راوغتني عشر مرات بعد أتفاقنا. ولولا أن إله أبائي إبراهيم وإسحاق يؤيدني، لكُنتَ خالي الوفاض صرفتني، لكن إله أبائي حفظني، فهو عالم بتعبي وكم في خدمتك قد أرهقتني، فوبخك على ما فعلت معي (وحذرك ليلة أمس من أن تمَسَنّي)".

فرد عليه لابان: "يا يعقوب، إنما البنات بناتي، وأولادهنّ أولادي، والغنم في الأصل غنمي، وكلّ ما تملك هو في الأصل ملكي. لكن الآن ماذا أفعل بهم، فلا حيلة لي في بناتي ولا أولاد بناتي؟ فلنقطع أذن بيننا عهداً يشهد بيني وبينك". واراد النبي يعقوب أن ينصب عموداً ليكون توثيقاً للعهد بينهما. فأمَرَ النبي يعقوب رجاله أن يجمعوا حجارة ويرصوها في كومةٍ، ثم جلسوا واكلوا وليمة العهد بجانبها. وأطلقوا على الكومة التي تعاهدوا عندها أسم "كومة الشهادة"، ومعناها"جَلْعِيدَ" بلغة النبي يعقوب العبرية، و"يَجَرْ سَهْدُوثَا" بلغة لابان الآرامية." ‏وبعدها قال لابان: "يا يعقوب، من اليوم تكون هذه الكومة شاهدًا وحَدْاً بيننا. ورب الأرباب رقيب علينا حين نفترق عن بعضنا. عاهدني على ألا تؤذي بناتي وألا تتخذ عليهما زوجة أخرى، حتى وإن لم يعلم بك أحداً، فالله حَكَماَ بيننا. ‏وليكن هذا العمود وهذه الكومة حدوداً لنا، لا أتجاوزها أنا لأُسيء إليك، ولا تتجاوزها أنت لتسيئ إليّ أبداً. وإله جدك إبراهيم وإله جدي ناحور شاهداً على عهدِنا والحَكَم بيننا". فتعاهدا وأقسم له النبي يعقوب بإله إسحاق أبيه. فقام النبي يعقوب بتقديم أضحية تقرباً لله، وأقام وليمة إحتفالاً بالمعاهدة دعا فيها كل الموجودين، فأكلوا وباتوا ليلتهم في الجبل آمنين. وفي الصباح قام لابان فقبّل أحفادِه وطلب من الله البركة لأبنتَيْه، وأنطلق مع قومِه إلى بيتِه في آرام شمال أرض ما بين النهرين.

ملاك الله يغير أسم النبي يعقوب

واستمر النبي يعقوب في رحلتِه للجنوب في طريقِه إلى بيتِ أبيه، فلاقته ملائكة الله في الطريق. فلما رأهم النبي يعقوب قال: «هذا جُند الله يحميني!». فَأطلق اسْمَ مَحَنَايِمَ على الْمكَانِ. (وَمَعْنَاهُ: الفِرْقَتان).

وحين أقترب النبي يعقوب من منطقةِ مديان، أرسل أمامه رُسلاً إلى أخيه عيسو الذي كان يقيم في منطقةِِ أدوم وجبال سَعِير التي في شَمالِ مديان. وأوصى النبي يعقوب رُسله وقال لهم: «حين تقابلوا أخي الكبير عيسو تقولوا لهُ: أخوك الصغير يعقوب يقول لك "يا أخي الكريم، قد تغربت عند خالنا لابان، وعشتُ في حاران منذ أن رحلت عنكم حتى الآن، وأني أمتلك الآن الكثير من العبيد والجواري والأغنام، وأني أرسلت إليك رُسلي أمامي، لَعَلِّي ألقىَ منك الرضا والإحسان». وحين رجع الرُسل قالوا للنبي يعقوب: «لقَد ذهبنا إلى أخِيك عيسو كما أمرتنا، وهو قادم إليك في الطريق ومعه أَربع مئة رجلٍ». فأوجَسَ في نفسهِ خيفةً يعقوب وأعتراه كرب عظيم، فقَسَّمَ كل الجماعة التي معه وكذلك البهائم والأنعام إلى فرقتين. وقال في نفسه: «إن هاجم عيسو جماعةٍ منهم وأهلكهم، يفلتَ من هجمتهِ الجماعةَ الآخرين». ودعا النبي يعقوب قائلاً: «أللهم رب أبائي إبراهيم وإسحاق يا حي يا قيوم، أنت قلتَ لي: "أرجع أرض أبوك وقومك، وقلت لي أنك ستحسنَ إليَّ ومعي ستكون موجود". يا رب لا فضلَ لي فيما أحسنت به عليَّ، فقد وفيتَ وعدكَ وأنعمتَ على عبدِك. فحين رحلت عن بيت أبي وعبرت نهر الأردن لم أكن أملك إلا عصاي، وها أنا ذا أعود ومعي جماعتين. يا رب أنا خائفٌ من أخي عيسو القادم لينتقم مني ويهلكنا، فخلصني ونَجْنّي ومن معي، فلا يُهلك نفسي ويُهلَكَ معي الأُمَّهَاتِ وَالْبَنِينَ. فإن وعدك حق وقد قلت لي: "يا يعقوب، سأُحسِن إليك، وساُكثر نسلك كرمل البحر فلا يُحصىَ عددهِ العادين"».

وبعد أن انتهى النبي يعقوب من دعوتِه، قام وأنتقىَ من البهائم والأنعام التي يملكها هدية يسترضي بها أخيه عيسو. فانتقىَ مئتي عنزة وعشرين تيسًا، ومئتي نعجة ومن الكباش عشرين، وثلاثين ناقةً مُرضعةً وصغارهِا، وعشرة ثيران وأربعين بقرةً وعشرة حمير ومن الأتان عشرين. ثم قَسَّمَ هديته من البهائم والأنعام إلى قُطعان، وأعطىَ كل قطيع لواحد من خدمِه وقال لهم: «تقدموا أنتم وأسبقوني في الطريق، وأجعلوا بينكم مسافة وباعدوا بين القطعان». وَأَوْصَى الأول منهم فقال له: «إن صادفك أخي عيسو في الطريق وسألك: مَن سيدك؟ وإلى أين وجهتك؟ ولمَن هذا القطيع الذي أمامك؟ فتقول له: هذا القطيع هدية من سيدي يعقوب إلى أخيه عيسو السيد العظيم، ونحن سبقناه وهو في الطريق خلفنا». وكما أوصىَ النبي يعقوب أولهم، بالمثل أوصىَ بقيتهم، وتفكر النبي يعقوب في نفسه وقال: «استرضيه بهديتي لعله حين نلتقي أجد في وجههِ القبول». فسار الخدم بالهدايا ليسبقوه في الطريق وتفرقوا كما أمرهم. أما النبي يعقوب فأقام تلك الليلة في نفس المكان.

وفي تلك الليلة، نَقل النبي يعقوب زوجتَيْه وجواريْه وأولاده الأحد عشر، واجتازوا نُهَير يَبُّوقَ (الذي يعرف الآن بنهر الزرقاء في وادي الأردن). ونقل معهم كل ما تبقيَ من ممتلكاتِه إلى الضفة الأخرى عَبْرَ الوادِي. وبَقيَّ النبي يعقوب بعدها وحده، فظهر له ملاك في هيئة رجل، فصارعه النبي يعقوب حتى طلوع الفجر فلما رأىَ ذلك الشخص جهد النبي يعقوب في مصارعتِه، ضَرَبَ مِفْصَلَ فَخذِ النبي يَعقُوبَ فانخَلَعَ وهو يصارعه. ثم قال للنبي يعقوب: «ها وقد طلع الفجر، فدعني أذهب». فتَشَبَّثَ به النبي يعقوب وقال: «لن أتركك إلا بعد أن تدعو لي بالبركة». فسأل الملاك النبي يعقوب وقال: «ما هو أسمك؟» فَأجابه: «أسمي يَعْقُوبُ». فقال له الملاك: «لا. لن يكون أسمك بعد الآن يعقوب، بل سيكون أسمك إِسْرَائِيلَ، لأنك ثابرت وإجتهدت مع الله والبشر وأفلحت». فقال له النبي يعقوب: «رجاءًا أَخْبِرْني بِٱسْمِكَ؟». فأجابه: «ولماذا تسأل عن إسمي!». وبعد أن باركه، ذهب عنه وتركه.

وأطلق النبي يعقوب على ذلك المكان «فنيئيل» (الذي يعني: وجه الله)، لأنه قال: «رأيت وجه الملاك ونجوت من الهلاك». وأشرقت الشمس والنبي يعقوب يَعْبُر من منطقة «فنيئيل» وهو يعرج على ساقِه بسبب الإصابه التي لحقت فخذِه. ولهذا لا يأكل بني إسرائيل عصب الفخذ من اللحوم، تذكاراً لتلك الواقعة التي حدثت للنبي يعقوب.

لقاء النبي يعقوب مع أخيه عيسو

ثم نظر النبي يعقوب فرأىَ اخيه عيسو ومعه أربعُ مئةِ رَجُلٍ من بعيدٍ قادمين، فقسم أهل بيته وجعل كل أمٍ من زوجاتهِ ليئة وراحيل مع أولادِها، وكذلك فعل مع أولاد الجاريتين. ثم فرق بينهم وقَدَم الجاريتين وأولادَهُما، ومن ورائِهم ليئة وأولادَها، ثم راحيل ويوسف أخر الواقفين. أما النبي يعقوب فتقدمهم، ومشىَ وانحنىَ سبع مرات بإحترام إلى أن أقترب من أخوه عيسو . فإذا بعيسو يجري نحو النبي يعقوب ويضُمَه إلى صدرِه ويقَبله، وَبَكَى الِاثْنَانِ. وحين رأى عيسو النساء والأولاد، سأل النبي يعقوب: «مَن هَؤُلَاءِ؟» فأجابه النبي يعقوب: «هَؤُلَاءِ أولادي الذين أنعم عليَّ بهم رب العالمين». فدَنَت الجاريتان وأولادَهما وانحنوا أمام عيسو. وبعدهم دَنَت ليئة أيضًا وأولادها وانحنوا أمام عيسو، ومن بعدها تقدمت راحيل ويوسف وانحنيا أمام كما فعل الآخرون.

فسأل عيسو النبي يعقوب: «ما الذي قصدته بتلك القطعان من البهائم والأنعام التي قابلتها في الطريق ونحن قادمون؟» فأجابه النبي يعقوب: «إنما أردت أن تسبقني هديتي عسى أن يعفو عني أخي الكريم». فقال له عيسو: «فلتحتفظ أنت بما لديك يا أخي، فإن لدي الآن منها الكثير». فأجابه النبي يعقوب: «لا يا سيدي، فإن كنت رضيت عني، فلتتفضل بقبول هديتي. فالرضا الذي رأيته على وجهك وكأنني قد رأيت الرضا في وجهِ الله. تَكَرَم وباركني واقبل هديتي. فإن الله بالكثير أكرمني ومن كل النْعَم رزقني». فتقبلها عيسو منه بعد أن شدد النبي يعقوب في الإلحاح عليه.

ثم قال عيسو للنبي يعقوب: «دعنا أذن نرحل من هنا وأنا سأَسير أمامك ونحن في طَريقِنا». فقال يعقوب لعيسو: «يا سيدي، إنما أولادي كما ترى مازالوا صغار ضعفاء، وماشيتي مُرضعة أصابها الإعياء، وربما هلكت إن زدت عليها يومًا آخر من العناء. فلتتفضل أنت أخي الكريم وتسبقَني، ومن ورائِك أسوقُ ماشيتي وامشي على قدر طاقةَ أهل بيتي، حتى أصل بهم إلى جبل سعير وهناك نلتقي.» فَقالَ عيسو للنبي يعقوب: «دعني أذن أترك بعض رجالي في صُحبتك.» فأجابه النبي يعقوب: «ولما ذلك؟ لا داعي ويكفيني أنك راضي عني.» فمشَى عيسو في نفس اليوم راجعًا إلى سعير أما يعقوب فلم يكن قلبهُ مُطمئنًا، وبدلاً من أن يمشي وراء عيسو، توجه للغرب ناحية نهر الأردن، ونصب لمواشيه مِظلات وبنىَ له ولأهلهِ بيتًا. ولذلك سُمّي ذلك المكان سُكُّوت (ومعنى الأسم: الْمِظَلات).

ومن هناك أرتحل النبي يعقوب حتى أتم رحلته من بلاد أرام أرض بين النهرين ووصل سالمًا إلى أرض الكنعانين، وَنَصَبَ خِيَامَهُ عند أطراف مدينة شَكيم (التي تُعرف الآن بإسم مدينة نابلس). ثم أشترى مِنْ أَبْنَاءِ حَمُورَ أَبِي شَكِيمَ قطعة الأرض التي نَصَبَ عليها خِيَامَهُ بِمِئَةِ قِطْعَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ. ثم بنى هناك مكانًا لتقديم القرابين تقربًا لله، وسماه "مكان عبادة الإله رب يعقوب".

دينة بنت النبي يعقوب

ثم حدث أن خرجت دينة ٱبنةُ النبي يعقوب من زوجتِه ليئة لتزورَ بنات الجيران في المنطقة، ‏فرآها شكيم بن حمور، ابن كبير المنطقة التي سكنوها، فاخذها غصبًا واعتدىَ عليها، لكنه أحبها وتعلق بها فابقاها عنده. ثم ذهب إلى أبيه وقال له: «يا أبي، أريد أن أتزوج هذه الفتاة». وعرف النبي يعقوب أنَّ شكيم اعتدَى علَى ابنتِهِ دينة. فتمهل حتى يعود أبنائَه الذين كانوا وقتها في الحقول يرعونَ الغنم.

وذهب حَمور وأبنه شَكيم إلى النبي يعقوب ليتكلموا معه. وحين رجع أبناء النبي يعقوب من المَرعىَ وعرفوا بما حَدث ، ثاروا وتملكهم الغضب، لأن شَكيم ارتكب كبيرة من الكبائر في حق اهل بيت النبي يعقوب حين أعتدى على أختهم. فقال لهم حمور: «قد وقعت محبة أبنتكم في قلب أبني شكيم، وهو يريد أن يتزوجها. ولتكن مصاهرة بيننا، نتزوج من بناتكم وتتزوجوا من بناتنا وَاسْتَقِرُّوا بَينَنا. فها هي الأرض أمامكم واسعة، فتملكوا منها وتاجروا فيها كما شئتم». ثمّ أضاف شَكيم على كلامِ أبيه وقال لهم: «ليتكم ترضون وتقبلوا زواجي مِنَها، وكل ما تطلبون مني أعطيه لكم من أجلِها. اطلبوا ما شئتم وعلى قدر إستطاعتكم مهراً لها، وأنا أعطيه لكم لكن زوجوني منها». فَمكر اولاد النبي يعقوب بهم في جوابهِم، لأن شَكيم اعتدىَ على دِينَةَ أُخْتَهُمْ. فقالوا لشكيم: «لكنك رجل غير مختون وعار عندنا أن نزوجك أختنا. إنما إن ختنتم ذكوركم مْثلَنَا، يُمكن حينها أن نَقبَل ونُزَوجَك أختنا، وحينها نزوجكم بناتنا ونتزوج من بناتكم ونصير شعبًا واحدًا وَنَسْكُن بينكم. وإن أَبَيتُم ولم تفعلوا كما قلنا لكم، نأخذ ابنتنا ونرحل عن أرضكم». فَوافق حَمُور وابنه شكيم على شَرطهِم، وكان شَكيم مُكْرَمًا بين جَميعِ بَيتِ أبيهِ، وكان مُتَيَمًا بمحبة دِينَةَ بنتهم، فلم يتردد في تنفيذ طلبهم.

فذهب حمور وٱبْنهُ شكيم عند باب المدينة حيث كان قادة المدينة يجتمعون، وقالوا لهم: «إِنَّ يعقوب وأهل بيتهِ قَوْم مُسالمون، فلندعهم أذن يسكنوا بيننا، وليتاجروا كما يشاءوا فها هي مترامية الأطراف أرضنا. نتزوج من بناتهِم، ويتزوجوا من بناتِنا. لكنهم لن يخالطونا ويسكنوا معنا إلا على شرط أن يَختَتّنَ مثلهم كل ذكورنا. إن هكذا فعلنا، بمرور الزمن تنتقل أملاكهم أيضاً إلينا، فلنُوافِقَ عَلَى شَرْطِهِم لِيَستَقِروا بَينَنا.» فوافقَ كلُّ الموجودينَ عِندَ بابِ المدينةِ علَى كلام حَمورَ وابنهِ شكيمَ، وختنوا كلَّ ذكرٍ في المدينةِ.

وبعد ثلاثة أيام، وبينما رجال المدينة وكل ذكورها متوجعونَ من أثر ألم الختان، تَسَلَح كل من شِمْعُونَ وَلَاوِيَ أولادالنبي يعقوب واشقاء دينة بسيوفهما، وهجما على المدينة واهلها غافلون وقتلا كل الرجال الموجودين، ‏كما قَتَلَا حَمُورَ وَٱبْنَهُ شكيم بِحَدِّ ٱلسَّيْفِ، وَأَخَذَا دِينَةَ من بيت شكيم وخرجا بها. وحين علم بقية بني يعقوب أن شِمْعُونَ وَلَاوِيَ ذهبا لينتقما لأختهِم، انتهزوا الفرصة ونهبوا المدينة والحقول، وآسروا نسائهم وأطفالهم، واستولوا على كل مواشيهم وأغنامهم.

وحين عَلم النبي يعقوب بما حدث، قال لِشَمْعُونَ وَلَاوِي: «جلبتما عليَّ الشقاء واسأتم لسُمعتي عند أهل البلاد من ٱلْكَنعانيين وٱلْفرزيينَ بفعلكم المُشّين، نحن قْلةٌ بينهم ولو اجتمعوا علينا اهلكوني واهلكوا أهل بيتي اجمعين». فقالَ شمعون ولَاوِي: «يا أبانا، وهل ترضا لنا أن يُنتهك عرض أختَنا ولا نكون ثائرين؟».

النبي يعقوب يعود إلى أرض كنعان

ثم حدث بعدها أن أوحىَ الله إلى النبي يعقوب: «يا يعقوب، قُم وأرحل إلى بيت إيل واسكن هناك إلى حين، في نفس المكان الذي تجليت لك فيه حين كنتَ هاربًا من وجه عيسو أخِيكَ، وإكرامًا لإسمي تبني لي هناك مكانًا لتقديم القرابين.» فَجمع النبي يَعقُوبُ أهلِ بَيتِهِ وَكُلِّ جماعتِه وقالَ لهم: «تخلصوا من أي أوثانٍ لديكم، وتطهروا وغيروا ثيابكم، وهيا قوموا لنرحل من هنا ونرحل إلى بيت إيل، وهناك سأبني مكانًا تقربًا لله الذي أينما ارتحلت أحسن رفقتي، واستجاب لدعوتي وقت محنَتي». فوضعوا بين يدي النبي يعقوب كل الأوثان التي كانت لديهم وأقراط الأوثان التي في آذَانِهِمْ، فأخذهم النبي يعقوب ودفنهم تحت شجرة بلوط ناحية شَكِيمَ. ثم بدأ النبي يعقوب وجماعته رحلتهم، وأنزل الله الرهبة في قلوب الساكنين في المدن التي كانت حولهم، فلم يطاردوهم ولا سعوا ورائهم.

‏ووصل النبي يعقوب وجماعته إلى بلدة لُوزَ، التي سماها النبي يعقوب بيت إيل حين كان هاربًا من أخيه عيسو، وحيث تجلى له وحي الله هناك في أرض الكنعانيين. فبنى النبي يعقوب مكانًا مخصصًا لله ليقدم عليه الآضاحي. وهناك توفيت دَبُورَةُ مُرْضِعَةُ رِفْقَةَ أم النبي يعقوب، فدفنوها تحت شجرة بلوط بالقرب من بيت إيل، وسموها "بلوطة الأنين". ‏وحين كان النبي يعقوب في طريقِة راجعًا من بلاد ما بين النهرين، تجلى له وحي الله، كما سبق وتجلى له في "محنايم"، حين كان هاربًا من وجه أخيه، وباركه وقال له: «لَن يُكون ٱسْمُكَ بعد الآن يَعْقُوبَ، بل أسمك سيكون إِسْرَائِيلَ. أنا هو الله القدير والأرض التي وهبتها لأبوك إسحاق وجدك إبراهيم، أهبَها لك ولنسلك من بعدِك. وأُكَثر نسلك كرمل البحر، ومن نسلِك تخرجُ أممً كثيرةً وملوك وبذريتك تتبارك أمم الأرض أجمعين.» ثم عرج الوحي إلى السماء. فأقام النبي يعقوب حجراً ونصبه، وسكب الزيت عليه ومسحه، وسمى المكان "بيت إيل" وجعل مكانًا مخصصًا لعبادة الله.

وخرج النبي يعقوب مع جماعته من بيت إيل في إتجاه قرية بيت لحم في منطقة أفراتة، وبينما هم في الطريق جاء المخاض راحيل زوجة النبي يعقوب المُحببة وتعسرت ولادتها. وحين أشتدت عليها ألام ولادتها، بشرتها ٱلْقَابِلَةَ وقالت لها: «لا تَخافِي، فَهَذا ولدٌ آخَرُ لَكِ.» وقبل أن تَلفُظَ رَاحِيلُ آخر أنفاسها سَمَّت الطفل "بن أُونِي" (ومعنى الأسم: ابن تعاستي)، لكن النبي يعقوب سماه "بن يمين" (ومعنى الأسم: ابن يميني). وتوفيت راحيل بعدما ولدت ثاني أولادهَا، ودفنوها في منطقة أفراتة القريبة من بيت لحم. فَأقامَ النبي يَعقُوبُ عَمُوداً فَوقَ قَبْرِها، وَهُوَ المَعرُوفٌ حَتَّى اليَوْمِ بِاسْمِ "عَمُودِ قَبْرِ راحِيلَ" ليكون تذكاراً لها. ثم أستمر النبي يعقوب في رحلته، ونصب خيامه بعد أن مر بمنطقة بُرج عِدْرٍ. وبينما النبي يعقوب وأهله في تلك المنطقة، حدث أن ذهب رَأُوبَيْنَ بِكْرُ النبي يَعقُوبَ من زوجته لَيْئَة وفعل الفاحشة مع بِلْهَة جارية أبيه. فبلغ النبي يعقوب الخبر، فغضب وأخفى الأمر في نفسهِ وبعدها اسقط حق البكورية عن رأوبين.

وَكانَ للنبي يَعقُوبَ اثْنا عَشَرَ ابْناً، والمعرفون بأسباط بني إسرائيل وهم: أبناء النبي يعقوب مِنْ لَيئَةَ بنت خاله لابان: رَأُوبَيْنُ بِكْرُ يَعقُوبَ، وَشِمْعُونُ وَلاوِي وَيَهُوذا وَيَسّاكَرُ وَزَبُولُونُ. وَابْناهُ مِنْ راحِيلَ أخت ليئة الصغرى: يُوسُفُ وَبَنْيامِيْنُ. وَابْناهُ مِنْ بِلْهَةَ، خادِمَةِ راحِيلَ، هُما دانُ وَنَفْتالِي. وَابْناهُ مِنْ زِلْفَةَ، خادِمَةِ لَيئَةَ، هُما جادُ وَأشِيرُ. هؤلاء جميعًا أبناء النبي يعقوب الَّذين رَزقهُ الله بهم في أرض ما بين النهرين.

وأتم النبي يعقوب رحلته حين رجع إلى أبيه إسحاق في مَمْرا، حَبْرُونَ الخليل، حيث كان أباؤه إبْراهِيمُ وَإسْحاقُ مغتربين. وحين توفىَ الله النبي إسحاق كان قد بلغ من العمر مِئَةً وَثَمانِينَ سنة وبحُسن الخاتمة لحق النبي إسحاق بسلفِه الصالحين. ودَفَنَهُ ابْناهُ عيسو وَيَعْقُوبُ.

أولاد عيسو بن النبي إسحاق

‏هذا سجلّ ذرية عيسو بن النبي إسحاق، ويُعرف أيضًا باسم أدوم. تزوّج عيسو أبن النبي إسحاق اثنتين من بناتِ كنعان: واحدة أسمها عَدَّة بنت أيْلون الحِثّيّ، فأنجبت له عَدَّةُ ولدًا سمّته أليفاز، ومنه خرج سبعة رؤساء قبائل. ثم تزوج أَهوليبامَة بنت عَنَّة وحفيدة صِبْعون الحِوِّيِّ. وأنجبت له أَهوليبامَة يَعوش ويَعلام وقورَح وهم رؤساء قبائلهم. ثم تزوّج عيسو بن النبي إسحاق أيضًا بَسمَة أخت نَبايوت ابنة عمّهِ إسماعيل. وأنجبت له بَسمَة ولدًا سمّته رَعوئيل ومن نسله خرج أربعة رؤساء قبائل. وهؤلاء كانوا أبناء عيسو الّذين ولدوا في أرضِ كنعان.

ثمّ أخذ عيسو زوجاته وأولاده وبناته وجميع أهل بيته ومواشيه، وكلّ املاكه في أرض كنعان، ورحل إلى منطقة أخرى بعيدًا عن أخيه يعقوب. لأنّ الأرض الّتي كانا يقيمان فيها معًا، ضاقت بهما من كثرة أملاكهما. ‏فأقام عيسو بمنطقة سَعير الجبلية جنوب شرق البحر الميت الّتي سُمّيت فيما بعد أدوم. ‏في البداية عاش نسل عيسو أبن النبي إسحاق رؤساء على قبائلهِم، ثم صاروا ملوكًا حكموا في أرض أدومَ قبل أن يملكَ أحَدٌ على بني إسرائيل، وهذه أسماءُ هؤلاء الملوكِ: بالَعُ بْنُ بَعُورَ، وَيُوبابُ بْنُ زارَحَ، وحُوشامُ، وهَدادُ بْنُ بَدادَ الَّذِي هَزَمَ مِدْيانَ فِي بِلادِ مُوآبَ جنوب أرض عَمان، وسَملَةُ، وشَاوُلُ، وبَعلُ حانانَ بْنُ عَكْبُورَ، ثم أخرهم كان اسمه هَدَارُ.