عيسى المسيح

الجزء الأول
من سيرة نبي الله عيسى عليه السلام: مولده

في زمن حكم القيصر أغسطس الذي كان يحكم الإمبراطورية الرومانية ومدينة القدس من ضمنها وكذا المناطق من حولها، وفي بلدة في الجليل أسمها الناصرة، كانت تعيش عذراء أسمها مريم قد وُهِّبَت لله منذ ولادتها. وكانت مريم من سلالة نبي الله داوود، وكانت في ذلك الوقت مخطوبة لرجل أسمه يوسف يعمل نجاراً من نسل داوود هو الآخر.

وشاء الله لقريبتها إليصابات زوجة نبي الله زكريا أن تحمل في يحيى، وحين كانت قد بلغت شهرها السادس، أرسل الله إلى مريم الملاك جبريل فتمثل لها بشراً سوياً، فاضطربت واستعاذت العذراء بالله، فطمئنها المَلَك وسلم عليها سلاماً ملياً: «السلام لكِ يا مَن أنعم الله عليكِ! الله معكِ ومباركة بين النساء أنتِ، لا تفزعي يا مريم فقد نلت من الله نعمة فقري عيناً، وأني رسول ربك لأهب لكِ غلاماً زكياً، أسمه المسيح عيسىَ يرث مُلك داوود ويكون مُلكه أبدياً وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين علياً». قالت مريم: «كيف يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكن بغياً؟ قال: «روح الله يحل عليكِ وكذلك قال ربك هو عَلَيَّ هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضياً، وها هي قريبتك زوجة زكريا حامل والتي كانت تُدعَىَ عاقراً».

فلله أسلمت العذراء أمرها ورضيت بقضائها وسبحت الله قائلة في نفسها: «تُمجد الله نفسي، وتبتهج روحي بالله مُخلصي. فأنه أنعم على أمته الفقيرة و بين الناس مباركة جعلني. القدير كشف عن قدرته وقدوس هو أسمه في عيني، مدىَ الدهر هو اللطيف بعباده المتقين، أظهر قدرته على نوايا المتكبرين، أنزل العظماء عن عروشهم ورفع المتواضعين، أشبع الجياع بجود كرمه وصرف الأغنياء فارغي اليدين، تذكرنا وأظهر رحمته وصدق وعده لأبراهيم وأبائنا الأولين».

وحدث في تلك الأيام أن أصدر القيصر أغسطس مرسوماً بإحصاء للسكان في كل الإمبراطورية الرومانية، وكان هذا أول إحصاء رسمي للسكان، زمن أن كان كيرينيوس والياً على الشام. وهكذا توجه الناس كل واحد إلى بلدته الأصلية حتى يُسجل أسمه فيها. وكان يوسف خطيب مريم الذي ينتمي لبيت داوود من بلدة تُدعىَ بيت لحم التي في منطقة اليهودية. فسافر يوسف ليسجل أسمه ومعه مريم وهي في أواخر أيام حملها إلى بيت لحم. وحين وصولهما إلى بيت لحم حانت ساعة ولادتها، فلما يجدا في دار ضيافة مكاناً، فأتخذا لها في معلفاً للدواب ملاذأً وستراً، وفيه وضعت عيسى طفلاً.

وكان في سهول هذه المنطقة رعاة ساهرون على حراسة أغنامهم. فظهر ملاك من الله لهم، وأضاء مجد الله من حولهم، ففزعوا ووجلت قلوبهم. فقال المَلَك لهم: «لا تفزعوا! فبفرح عظيم لكل الناس بالبشارة جئتكم:”فقد وُلّدَ في مدينة النبي داوود اليوم غلاماً هو السيد المسيح مُخَلْصاً لكم. وتجدوه ملفوفاً في قماش في معلفاً للدواب». ثم ظهر في السماء جمع غفير من الملائكة مسبحين: «المجد لله في عُلاه، وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة».

ثم توارت الملائكة في السماء عنهم، وتشاور الرعاة قائلين فيما بينهم: «لنذهب إذاً إلى بيت لحم ونرى بأعيننا ما كشفه الله لنا.» فتوجهوا إلى بيت لحم وأسرعوا في سعيهم، ووجدوا الطفل في معلف الدواب كما قال المَلك لهم. وحين رأوه أخبروا الجميع بما جاءهتم به الملائكة والبشارة. فأخذت الكل الدهشة مما أخبرهم به الرعاة. أما مريم فكانت تتأمل قدرة الله وتحفظ كل هذه الأمور في قلبها. ثم رجع الرعاة وهم يسبحون الله ويمجدوه على ما بُشّروا به وعاينوه. وفي اليوم الثامن لولادته حان ميعاد ختان الطفل حسب طقوس الطهارة، وسموه عيسى كما اُنْزّل المَلَك بالبشارة.

من أمثال نبي الله عيسى عليه السلام: ربكم أعلم بإيمانكم

روىَ السيد المسيح هذا المثل إلى بعض المتشددين، ممن يظنون في أنفسهم الصلاح والدين، وعلىَ الناس هم متكبرين: «ذهب رجلان إلى بيت الله للتعبد والصلاة، احدهما من متشددي رجال الدين، والآخر من جباة الضرائب المنبوذين.

فوقف المتشدد رافعاً للجبين، داعياً لرب العالمين: “اشكرك يا رب فأنا لست مثل الآخرين، الزناة والسارقين، ولا مثل جابي الضرائب هذا، ولست من الفاسدين. أُزكي بعشر مالي، وأصوم لك في الأسبوع مرتين.

اما جابي الضرائب فتخَلَف بعيداً وهو من الوجلين، خشي ان يرفع عينيه للسماء فأخضع الجبين، ضارباً على صدره قائلاً: “ربِّ أرحمني، أني كنت من الظالمين”. أنتبهوا أقول لكم فانه ليس المتشدد المكين، بل جابي الضرائب المهين هذا هو الذي قد رجع لبيته مغفوراً له ومن الرَاضين. فكل من يتكبر يُذل ويُخضع، ومن يتواضع يُرضىَ ويُرفَع.

من أمثال نبي الله عيسى عليه السلام: العظيم خادماً والقائد متواضعاً

ثم حدث ان نشب جدال بين الحواريين حول الأعظم فيهم من يكون.

فقال لهم المسيح: “إن ملوك الأرض يحكمون الناس وعليهم يسودون، والحاشية يتملقون لمنفعتهم وعلى الناس يتفضلون!

فتجنبوا ان يكون بينكم ذلك، بل ليكن العظيم خادماً والقائد متواضعاً

فمن هو الأعظم: المخدوم جالساً، ام الخادم واقفاً؟ بالطبع الأعظم هو المخدوم جالساً. وها انا بينكم مثل الذي يخدم واقفاً.

من أمثال نبي الله عيسى عليه السلام: مَسَرة السماء

وكان قد إعتاد جمع من المنبوذين والعصاة المذنبين، ان يجتمعوا حول المسيح مستمعين.

فسخط الأحبار ومُتشددي رجال الدين وتذمروا قائلين: “هذا رجل يجالس الخطاة ويأكل مع المذنبين!” فضرب المسيح مثلاً للسامعين: “لو كان لرجل منكم مئة من الغَنَم وشرد منها واحد وحُسِّبَ من الضائعين. افلا يهرول باحثاً عن غنمته الشاردة في البرية، تاركاً للتسعة والتسعين؟ حتى إن وجدها تهلل ورفعها على الكتفين، ويرجع إلى بيته فرحاً ويدعو الجيران والأصدقاء المقربين، ويقول لهم: “قد وجدت غنمتي الشاردة، فكونوا معي من الفرحين.” أقول لكم هكذا تكون مَسَرة السماء بخاطئ واحد يدخل في التائبين أكثر من مَسَرتها بتسعة وتسعين للتوبة ليسوا بمُحتاجين.

من أمثال نبي الله عيسى عليه السلام: قطعة الفضة الضائعة

ثم ضرب لهم المسيح مثلاً آخر وقال: “لو أضاعت أمرأة قطعة من عشرة قطع فضة تقتني، افلا تُنير مصباحاً وتُفَتش عنها في كل البيت؟ وحين إليها تهتدي، الا تُهلل وتدعو الأصحاب والجيران وتقول لهم: افرحوا معي، لأني وجدت قطعة الفضة ضالتي.” أقول لكم هكذا تكون مَسَرة بين ملائكة السماء بعاصٍ واحد للتوبة يهتدي.

من أمثال نبي الله عيسى عليه السلام: الأبن الضال

وأستمر المسيح يضرب لهم الأمثال وقال: «كَانَ لرجل ولدان. فقال الأبن الأصغر لأبيه: “أبي، أعطني نصيبي من مالَك الأن!” فأذعن الأب لطلبه وقسم ماله وأعطاه نصيبه. ولم تمض فترة طويلة حتى باع الولد الأصغر املاكه وجمع امواله ورحل إلى مدينة بعيده.

وهناك انفق وبذر، وفسق واستهتر. وبعدها إفتقر، حينها ضربت تلك البلاد مجاعة نُكُر، وذاق من بعد اليسر عُسر. وإضطر ان يخدم عند رجل من اهل هذه البلاد بسبب الحاجة والفقر، فأرسله ليرعى خنازيره وسوء المستقر. وأضناه الجوع حتى أشتهى لو يقتات من طعام الخنازير، فما تحنن عليه أحد من بعد البطر! فراجع نفسه وتَفَكَر: كم من أجير عند أبي يشبع ويتبقى من طعامه ويُهدر، وانا هنا من الجوع أتضور.

سأعود إلى أبي وأقول له: يا أبي أعترف اني أخطأت أمام الله في حقك، ولستُ أهلاً بأنْ أكونَ بعد الآن ابنَك، فأجعلني كواحداً مْن خَدَمك.

فقام عائداً إلى أبيه، ورأه أبيه من بعيد مُقبلاً عليه، فَرَقَ قلبه وهرول إليه وعانقه وتعطف عليه.

فقال الولد لأبيه: يا أبي أعترف اني أخطأت أمام الله في حقك، ولستُ أهلاً بأنْ أكونَ بعد الآن ابنَك.

أَمَّا الأَبُ فَأمر خَدَمّه: أَحْضِرُوا له بسَرِعة أَفْضَلَ الثَيابٍ وَأَلْبِسُوهُ، وَضَعُوا فِي إِصْبَعِهِ خَاتِماً وَفِي قَدَمَيْهِ حِذَاءً وزينوه. وَأَحْضِرُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ؛ ودعونا نأكل ونحتفل مَعَه: فَإِنَّ ابْنِي هَذَا عاد من الموت للحياة، وبعد أن ضل وجدناه، وبدأوا يحتفلوا بعودة الأبن إلى أباه.

اما الأبن الأكبر فكان في الحقل يعمل. وحين عودته للبيت سمع في الطريق صوت غناء وزمر.

فنادى واحداً من الخدم وسأله عن الأمر.

فأجابه الخادم: رجع أخوك، وذبحنا العجل الْمُسَمَّنَ لنحتفل بسلامته كما أمر أبوك. فغضب الأبن الأكبر ورفض الدخول، فخرج إليه أبيه يتوسل منه القبول.

فقال الابنُ الأكبرُ: يا أبي، كم خدمت بكد عندك كل هذه السنين، ولم أكن لك يوماً من العاصين. ولم تعطني حتى جدياً لأحتفل به يوماً مع أصدقائي المقربين. لكن لما عاد ابنك هذا الذي بدد مالك على الساقطات والفاسقين ذبحت له العجل السمين! فقال له أبيه: يا أبني انت دائماً معي وكل ما أملك فهو إليك. لكن وجب علينا الفرح والإحتفال، لأن أخاك كان ميتاً وعاد إلى الحياة وبعد الضياع وجدناه.

الجزء الثاني
خطبة نبي الله عيسى عليه السلام على الجبل

ورأى عيسى المسيح اتباعه مجتمعين، فصعد على تلة وجلس، فآتى إليه حوارييه مستمعين. فإبتدأ يخاطبهم وأخذ يعلمهم ويقول: هنيئاً للمنيبين، لأنهم في مملكة الله المقربون. هنيئاً للبكائين، لأنهم في مملكة الله سيُعزّون. هنيئاً للمتوكلين، لأنهم في مملكة الله سَيُبَارَكُون. هنيئاً للراجين، لأنهم في مملكة الله سَيُرْضَون. هنيئاً للمتسامحين، لأنهم في مملكة الله سَيُرْحَمُون. هنيئاً للطاهرين، لأنهم في مملكة الله سَيُنَعَمُون. هنيئاً للمسالمين، لأنهم في مملكة الله سَيُمَجَدُون. هنيئاً للمظلومين، لأنهم في مملكة الله سَيُنصَفون.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: مصابيح الهُدىَ

أنتم ملح للحياة بين الناس، فإذا فسد الملح وتلف، فمن يُعيده إلى ما سلف؟ فحينها يُلقىَ لتدوسه الناس ولا خير فيه حتى للكَلَف. أنتم نور للعالم مِلئ البصر، وضوء مدينة على المُرتَفع لا يخفىَ على النظر. فلا احد من الناس يُشعِّل مصباحاً ويضعه تحت غطاء، بل يعلقونه عالياً ليُنير كل البيت ويكشف الظلماء. هكذا انتم فليكن هُدىً للناس نوركم، فيمجدوا الله في عُلاه بطيب اعمالكم.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: لا تبديل لكلمات الله

لا تظنوا اني بُعثت لأنقُض شريعة موسى والأنبياء، فما أُرسلت لأنقُض، بل لأُتَمْم مشيئة السماء. الحق أقول لكم: لا تبديل لشريعة الله وما أُنزل فيها، ما دامت السموات والأرض وما عليها، حتى يُتمَم الله كل ما هو مكتوب فيها. فكل من عصىَ وصايا الشريعة حتى لو حرف من حروفها، وعلم الناس مخالفتها، حُسِّبَ في مملكة الله حقيراً، ومن صَدَق َبها وعلمها حُسِّبَ في مملكة الله عظيماً. الحق أقول لكم: إن لم يزد إيمانكم عن معلمي الشريعة المتشددين، فلن تدخلوا في مملكة الله مع الداخلين.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: الصلح خير

شريعة موسى والمفسرين قالوا في الأولين: لا تقتل، ومن يَقتُل منكم يقف ليحاكم مع المُجرمين. اما انا فأقول لكم: مَن يَكِّيد لأخيه يكون مْن المُدانين، ومَن يُحقر أخيه يكون للعقوبة مْن المستحقين، ومَن يُعَيِّب أخيه يُلقىَ في النار مع الظالمين. لذا فإن كنت تُقَرب لله قرباناً وتذكرت أن لأخيك عليك حق، فأترك تَقْدمَتك مكانها، وأذهب وأصلح ما بينك وبين أخيك أولاً، ثم إرجع بعدها وقَرب قربانك وانت من الراضين. سارع بإسترضاء خصمك قبل أن تصبحوا امام المحكمة واقفين. إن لم تفعل يحكم عليك القاضي وتكون من المدانين، ويُلقي بك في السجن فتكون من النادمين. والحق أقول لك: لن تخرج من السجن حتىَ تكون لأصغر ديونك من الموَفين.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: لا تَزنِ!

شريعة موسى والمفسرين قالوا في الأولين: لا تَزنِ! اما انا فأقول لكم: كل من ينظر لإمرأة ويشتهيها في نفسهِ، فقد زنىَ بها في قلبهِ. لذا إن كانت عينك اليمنىَ بالخطيئة تغويك، فلتَقْلَعَها وتُلقها عنك بعيداً. فخير لك أن تفقد عضواً من جسمك من أن يُلقىَ كل جسمك في جهنم تأويك. وإن كانت يدك اليمنىَ بالخطيئة تغويك، فلتَقْطعَها وتُلقها عنك بعيداً. فخير لك أن تفقد عضواً من جسمك من أن يُلقىَ كل جسمك في جهنم تأويك.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: الطلاق

شريعة موسى والمفسرين قالوا في الأولين: من طلّق زوجته، فليُعطها وثيقة طلاق. أما أنا فاقول لكم: كل من طلّق زوجته لغير علّة الزنى، فهو مسئول ويضطرها للزنىَ إن هي تزوجت بآخر. لأن من تزوج بمطلقة، كمن يرتكب الزنى.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: لا تحنث في قسمك

شريعة موسى والمفسرين قالوا في الأولين: لا تَحنَث في قَسَمَك، بل توفيِّ لله عهدك. اما أنا فأقول لكم: لَا تحلفوا أبداً، لا بالسماء لأنها عرش الله، ولا بالأرض لأنهامُستَقرٌ لقدماه، ولا بالقدس لأنها مدينة الملك ومثواه. وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ لأَنَّكَ لَا تَملك أَنْ تَخلق شَعْرَةً وَاحِدَةً فيها او تغيير. وليكن كلامكم: نعم، إن انتم نعم قصدتم; او لا، إن انتم لا عنيتم. وما يزيد عن هذا فهو من الشرير.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

شريعة موسى والمفسرين قالوا في الأولين: الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ. اما أنا فأقول لكم: لا تدفعوا الشر بالشر. بَلْ إنْ لَطَمَكَ أحَدٌ بيده اليُسرىَ عَلَى خَدِّكَ، فَقَدِّمْ لَهُ الخَدَّ الآخَرَ أيضاً; ومن اراد ان يقاضيك ليأخذ عبائتك فأترك له ثوبك; ومن اراد ان يُسَخرك مسيرة ميل فأمشي معه ميلين. أحْسِّن إلىَ من سألك، ولا تُخَيّب من في قرض قصدك.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ

شريعة موسى والمفسرين قالوا في الأولين: “أحبوا جيرانكم وعادوا أعدائكم” اما أنا فأقول لكم: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَأَحْسِنُوا بالدعاء للَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ، فتكونوا أبناءاً لوليكم الذي في السماء، مَن تشرق شمس رحمته على المحسنين والأشرار، ويُنَزِّل غيثه على الظالمين والأبرار. فإنْ كُنتُم تُحِبّونَ الّذينَ يُحبّونكُم، فأيّ فضل لكم؟ الا يفعل هذا ايضاً الماكرون؟ وإن كنتم تكرمون أخوانكم فقط، فبأي نعمة تُحْسنون؟ الا يفعل هكذا ايضاً المنافقون؟ لذا فكونوا انتم كاملين، وبكمال وليكم الذي في السماء مُقتدين.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: فضل الصدقة

لا تتفضلوا على الناس بدينكم، وإجتنبوا التباهي في أداء زكاتكم. وإلا ضاع من عند وليكم الذي في السماء جزائكم. فعندما تتصدق فلا تلفت الإنتباه إليك ليمدحك الناس كما يفعل المنافقون في الشوارع وبيوت عبادتهم. الحق اقول لكم: قد تاجروا مع الناس صدقاتهم ونالوا منهم أجرهم. وعندما تتصدق ليكن إحسانك في الا تعرف شمالك ما تُنفق يمينك. وعندما تُزكي فأجعل عطائك في الخفاء مَسْتُور، فوليك الذي في السماء يَعلَم السر وما تُخفي الصدور وهو يجازيك الثواب الموفور.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: الصلاة

وفي صلواتكم لا تكونوا كالمنافقين، الذين يصلون حيث الناس مجتمعين ليظهروا امامهم صالحين. الحق اقول لكم: قد تاجروا مع الناس صلواتهم ونالوا منهم أجرهم. فعندما تُصلي إختلي بنفسك وأدخل في حضرة ربك وأخلص دعائك لوليك الذي لا تراه وهو يراك، وعالم السر يجازيك ويُحسن عُقباك. وحين تُصَلون فلا تكن صلواتكم جوفاء، كغير المؤمنين الذين يحسبون أن بكثرة الكلمات يُستجاب الدعاء. فلا تتشبهوا بهم في صلواتكم، لأن وليكم الذي في السماء من قبل أن تسألوه يعرف إحتياجاتكم. فلتصلوا أنتم بمثل هذا الدعاء: “ولّينا وربنا الذي في السماء، ليُمَجّدَك خَلقك، لتسود وتعلو مملكتك، ولتُتَمَّم مشيئتك علىَ الأرض كما هي في السماء. أرزقنا قوت يومنا واغفر لنا ذنوبنا، كما نسامح نحن من أخطأ في حقنا. ولا تُزغ بالمّحَن قلوبنا، وبقدرتك من الشيطان نَجِّنَا.” فإن انتم عفوتم عن من أخطأ في حقكم، يعفو وليكم الذي في السماء عن أخطائكم. وإن لم تغفروا لمن أخطأ في حقكم، لم يغفر وليكم الذي في السماء لكم أخطائكم.

((ووصىَ السيد المسيح حوارييه قائلاً لهم: “أدعوا أنتم بمثل هذا الدعاء: ربنا وولّينا الذي في السماء، ليُمَجّدَك خَلقك، لك الحُكم في مُلكك، ولتُتَمَّم مشيئتك علىَ الأرض كما هي في السماء. أرزقنا قوت يومنا واغفر لنا ذنوبنا، كما نسامح نحن من أخطأ في حقنا. ولا تُزغ بالمّحَن قلوبنا، وبقدرتك من الشيطان نَجِّنَا.”))

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: الصيام

وعند صيامكم لا تكلحوا وجوهكم عابسين، كالمنافقين الذين يعبسوا وجوههم ليظهروا للناس صائمين، الحق اقول لكم: قد تاجروا مع الناس صيامهم ونالوا منهم أجرهم. اما أنتم فعندما تصوموا فخذوا زينتكم وأغسلوا وجوهكم، وعطروا رؤوسكم. ولا تظهروا للناس صياكم، بل لوليكم الذي يراكم ولا تروه صيامكم ومنه مكافئتكم.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: شوق قلبك مكان ما يكون كنزك

ولا تجمعوا لأنفسكم على الأرض كنزاً، حيث يفسدها السوس او تهلك صدءاً، او يسرقها اللصوص نهباً. بل إجمعوا لأنفسكم في السماء كنزاً، حيث لا تفسد تلفاً، ولا تضيع نهباً. لأن شوق قلبك مكان ما يكون كنزك.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: العين بصيرة الجسد

من العين يدخل للجسد نور البصيرة. فإن كانت العين طيبة بالسماء متعلقة أضاءت كل جسدك بأنوار متألقة. وإن كانت العين حَسود معتمة سقط الجسد كله في عتمة مظلمة. فإذا كان النور فيك ظُلمة، فيالها من عتمة!

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: لا يمكن أن تخدم سيدين

لا يمكن لأحد ان يتولىَ سيدين خاضعاً: لأنه إما أن يكون على أحدهما مقبلاً وعن الآخر مُعرضاً، أو يكون لأحدهما موالياً وللآخر مُعارضاً. فلا يمكن أن تخدم سيدين، فإما أن تتولى الله خاشعاً أو تكون عبداً للمال خاضعاً.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: لا تأسوا على متاع الحياة الدنيا

لذلك اقول لكم إن كنت بالحق لله خاضعاً: فلا تأسوا على متاع الحياة الدنيا/فلا تقلقوا في تدبير امور معيشتكم من قوت يومكم وما ترتدون، أفليست حياتكم أعظم من طعام تأكلون أو رداء تلبسون؟ وفي السماء رزقكم وما تُوعدون. تأملوا الطيور مُسخراتٍ في جو السماء: إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع في مخازن قوتها، ووليكم الذي في السماء يتكفل برزقها. أليست حياتكم أكرم عند الله من الطيور في قيمتها؟ فمن منكم وإن بالغ في قلقه يمكن أن يزيد ساعة في عمره؟ ولما تنشغلون بما تلبسون؟ تأملوا الزهور في البراري كيف تنمو في بهاء: مع انها لا تغزل ولا يمسها العناء. الحق أقول لكم: حتىَ الملك سليمان في أوج مجده لم يرتدي في مثل بهائها. فإن كان هكذا يتكفل الله بكساء عشبة البرية، التي تُزهر اليوم وفي الغد حطباً للنار تكون مرميه، فما أضعف إيمانكم، أليس اولىَ بأن يتكفل لكم أنتم بكسائكم؟(فلا تأسوا على حياتكم الدنيا ولا تجزعوا خوفاً متسائلين: ماذا نأكل؟ وماذا نشرب؟ وماذا نرتدي؟) لذا فلا تجزعوا في معيشتكم خوفاً على مأكل تأكلون ومشرب تشربون، ولا على اجسادكم وماذا تلبسون.اليست حياتكم اعظم عند الله من مأكلِ تأكلون، وجسدكم اعظم من مُجرد رداءِ تلبسون؟! فهذه كلها مَبلغ سعي أهل الدنيا والوثنيون، اما وليكم الذي في السماء فيعلَم ما تحتاجون. وانتم فإلى مملكة الله ومرضاته ليكن سعيكم. وكل ما تحتاجون يُعطىَ مُضاعفاً لكم. فلا تجزعوا خوفاً من الغد وما سيأتي بّه، وكْفىَ باليوم الهموم التي فيه.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: كما تُدين تُدان

لا تحكموا علىَ الناس ظلماً لأنكم ستكونوا امام الله مدانين. فكما تُدينوا الناس، من الله تُدانوا. لأنه سيُكال لكم بنفس الكيل الذي به على الناس تكتالوا. لماذا تنظر القشرة في عين أخيك وتَعْمَى عن عود الخشب الذي في عينك؟ وأنىَ لك أن تقول لأخيك: دعني أنزع عن عينك القشرة ، وعود الخشب في عينك انت؟ أيها المنافق! أنزع عود الخشب عن عينك اولاً كي تُبصر جلياً لتنزع القشرة من عين أخيك. لا تعطوا ما هو قدوس لمن رفض كلمة الله وكَذَبها، ولا تُلقوا ما هو طاهر لمن يدوسها ويُنجسها، فينقلب عليكم ويفتك بكم.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: دقوا علىَ أبواب السماء

ألحوا تُعطَوا، أسعوا تنالوا، دقوا علىَ أبواب السماء تُتفح لكم. من ألح على الله أعطاه، ومن سعىَ نال مبتغاه، ومن دق على أبواب السماء فُتحَت له ونال مُناه. فهل مْن أب فيكم إن ابنه طلب منه خُبزاً أعطاه حجراً؟ و إن طلب منه سمكة أعطاه ثعباناً؟ فإذا كنتم تُميزون العطايا الجيدة لأبنائكم، مع أنكم أشرار في نفوسكم، فما بالكم بوليكم الذي في السماء في رحمته بكم! فلتعاملوا الناس كما تحبوا أن يعاملوكم، فهذا جوهر الشريعة وكتب الأنبياء التي نزلت أليكم.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: أبتغوا إلىَ الله السبيل

أبتغوا سبيل الله فهو طريق الحياة، وإن كان ضيقاً عسيراً. وكان المهتدون إليه نذراً يسيراً. وإجتنبوا طريق الهلاك وإن كان واسعاً يسيراً. وكان الداخلين منه جمعاً غفيراً.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة

إحذروا من مُدعي النبوة الكاذبين الذين يأتونكم في ثياب حملان وديعة متخفين، وفي باطنهم ذئاب متربصين. تعرفونهم بسيماهم ومن ثمار أعمالهم. فهل من الشوك تحصد عنباً، أو من العليق تجني تيناً؟ هكذا، فالشجرة الطيبة لا تُثمر إلا طيباً، والشجرة الخبيثة لا تُثمر إلا خبيثاً. فما من شجرة طيبة تثمر ثمراً خبيثاً، وما من شجرة خبيثة تثمر ثمراً طيباً. فكل شجرة لا تثمر طيباً تُلقىَ في النار حطباً. أذن، تعرفونهم بسيماهم ومن ثمار أعمالهم.

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: بُعداً للقوم الظالمين

ليس كل من يناديني: “يا سيدنا، يا سيدنا!” يدخل في مملكة الله ورحمته، بل كل من يعمل حسب وليي الذي في السماء ومشيئتة. يوم الحساب سيناديني كثيرون: “يا سيدنا، يا سيدنا، بأسمك تنبأنا، والشياطين بأسمك طردنا، ومعجزات كثيرة بأسمك عملنا.” لكني ساعتها أنكرهم وفيهم أصرخ: “إبتعدوا عني فأبدا لن تدخلوا المملكة مع الداخلين، ألا بُعداً للقوم الظالمين.”

من تعاليم نبي الله عيسى عليه السلام: أسسوا بنيانكم على تقوى من الله

فكل مَن يُصغي إلى تعاليمي هذه ويعمل بها، كمثل رجل حكيم أسس بنيان بيته على صخرٍ. فإنهمرت عليه الأمطار، وجرت عليه السيول، وضربته العواصف، فإستحكَم هذا البيت ثابتاً لأنه على الصخر راسياً. وكل مَن يُصغي إلى تعاليمي هذه ولا يعمل بها، كمثل رجل جاهل/سفيه وضع بيته على جرف هارٍ بانياً. فإنهمرت عليه الأمطار، وجرت عليه السيول، وضربته العواصف، فإنهار هاوياً، وكان سقوطه مُدوياً. ولما أنتهى عيسى المسيح من كلامه وتلقينه، تعجبت جموع الناس وخشعت من حكمة تعاليمُه. لأنه كان يعلمهم مؤيداً بسلطة سماوية، وليس كما عهدوه من علماء الشريعة الموسوية.